• ×

08:00 صباحًا , الجمعة 8 ربيع الأول 1440 / 16 نوفمبر 2018

الإعلامي: أيمن عبدالله زاهد

علاقة الشعراء بالملوك والخلفاء

الإعلامي: أيمن عبدالله زاهد

 0  0
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الجزء الثاني

شهد العصر الاموي خاصة في عهد الخليفة عبدالملك بن مروان، انتشار النقائض مابين الشعراء، وهي بان يقوم شاعر بمدح قومه وفي نفس الوقت هجاء شاعر آخر وقومه، ويرد عليه الآخر بالفخر والهاء مستخدماً نفس القافية والوزن، وحدث ان الشاعر جرير ساله رجل من اشعر الناس؟! لم يرد عليه جرير واخذه من يديه وادخله الى خيمة والده عطية التميمي، الذي كان يشرب من لبن الماعز من ثديها واللبن يتطاير في وجهه حتى نزل على لحيته وشاربه وقال جرير: بهذا الاب فاخرت ثمانين شاعراً وانتصرت عليهم، وسبق للشاعر جرير ان قام بالرد على الفرزدق والاخطل معاً بقوله: اعددت للشعراء سماً ناقعاً فسيقت آخرهم بكاس الاول، لما وضعت على الفرزدق ميسمي وثغا البعيث جدعت انف الاخطل، اخزى الذي سمك السماء مجاشعاً وبنى بناءك في الحضيض الاسفل، بيتاً يحمحم قينكم بفنائه دنساً مخابئه خبيث المدخل! وكان جرير من اشهر شعراء العصر الاموي فقد ابدع في الهجاء والفخر والرثاء، حتى الغزل وعند سؤاله هل احببت؟ اجاب بالنفي وقال والله لو احببت لاتيت بشعر اجعل العجوز تبكي على صابها، وقد تم تصنيف قوله: ان العيون التي في طرفها حور قتللنا ثم لم يحيين قتلانا، يصرعن ذا اللب حتى لاحراك به وهن اضعف خلق الله انسانا! افضل ماقيل في الغزل، وكان لجرير الكثير من المدح للخلفاء والامراء، اشهرهم الخليفة عبدالملك بن مروان الذي قال له جرير: الستم خير من ركب المطايا واندي العالمين بطون راحا!

وقال في الفخر: اذا غضبت عليك بنو تميم حسبت الناس كلهم غضابا!

وقال في الرثاء لزوجته خالدة: لولا الحياء لهاجني استعبار ولزرت قبرك والحبيب يزار، ونرى ان هذا العصر كانت علاقة الشعراء بالخلافاء قوية نظراً لمايجدوه عندهم من الاموال والعطايا بعد القيام بمدحهم بشعر اصبح خالداً عبر تعاقب كافة العصور، لكن هذه العلاقة لم تكن وحيدة فقد قام بعض الخلفاء بتقييم الشعراء، فحدث ان جمع عبدالملك بن مروان الشعراء جرير والاخطل والفرزدق وطلب من كل واحد منهم مدح نفسه ببيت شعر واحد فقط، والافضل منهم ياخذ كيساً به خمسائة دينار، فقال الفرزدق: انا القطران والشعراء جربي والقطران للجربي شفاء، وقال الاخطل: فإن تك زق زاملة فإنني انا الطاعون ليس له دواء، وقال جرير: انا الموت الذي اتي عليكم فليس له هارب مني نجاء! فقال الخلفية عبدالملك لجرير خذ هذا الكيس فلعمري ان الموت ياتي على كل شئ.

اما الخليفة سليمان بن عبدالملك فقد كان مولعاً بالشعر، وكان يقول:ثلاثة لااسال عنهم انا اعرف الناس بهم، الفرزدق والاخطل وجرير، مع تفضيله لجرير، ويقال دخل عليه حاجبه مرة فساله ماورائك؟ قال شاعر ياسيدي يرجو الدخول، فقال له الخليفة سليمان: ادخل الشاعر نسمع مايقول، مااحب الشعر مااعذبه إنما الشعر الى القلب رسول! وعند مبايعة عمربن عبدالعزيز بالخلافة، انطلق اليه الشعراء للقيام بمدحه لعل وعسى ان يجدوا لديه المال والهدايا مقابل هذا المدح، وكان منهم الشاعر جرير الذي انشده بقوله: انا لنرجو اذا ما الغيث اخلفنا من الخليفة مانرجو من المطر، نال الخلافة فقد كانت له قدراً كما اتى موسى ربه على قدر! فاوضح الخليفة انه لوكان من ابناء المهاجرين والانصار اومن المحتاجين، فاجابه جرير بانهم ليس منهم وانه من اكثرقومه مالا، لكنه يريد منه ماكان ياخذه من الخلفاء خمسائة درهم وحملهم من النوق والجمال، فاجابه عمربن عبدالعزيز بان ينتظر اذا فاض مما يصرفه على بيته واهله يعطيه منه، لكن جرير رفض ذلك وظل يمدح الخليفة عمر دون ان ياخذ اي مقابل، ومما قاله جرير في مدح عمربن عبدالعزيز: إن الذي بعث النبي محمداً جعل الخلافة في الامام العادل، إني لارجو منك خيراً وافراً والنفس مولعة بحب الخير العاجل! فلما مات عمر بن عبدالعزيز رثاه جرير قائلاً: تنعى النعاة امير المؤمنين لنا ياخير من حج بيت الله واعتمرا، فالشمس طالعة ليست بكاسفة تبكي عليك نجوم السماء والشمس والقمرا.

نستخلص من ذلك ان العلاقة مابين الشعراء والامراء لم تكن مجرد المدح واخذ الاموال والهدايا مقابل ذلك، لكن هناك التقييم للشعر والشعراء من جهة، والقيام بالمدح رغم عدم اخذ المقابل من جهة اخرى، حتى ان الشاعر جرير وصف عمربن عبدالعزيز بذلك وقال: وجدت رقي الشيطان لاتستفزه وقد كان شيطاني من الجن راقيا.

هذا جانب من هذه العلاقة التي استمرت مابين الشعراء والخلفاء في العهد الاموي، اما العهد العباسي فقد شهد الكثير من الاحداث مابين الشعراء والخلفاء، منها عندما قام الشاعر علي بن الجهم بوصف الخليفة هارون الرشيد بالتيس والكلب، قام الخليفة ووضعه وسط الجواري الحسان اياماً عديدة ثم طلب منه ان ينشده شعرا
فقال: عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن لي الهوى من حيث ادري ولاادري!

هنا اوضح هارون الرشيد لجلسائه التغيير الجذري الذي حدث للشاعر علي ابن الجهم بمجرد تغيير البيئة البدوية التي كان يعيش فيها الى بيئة مختلفة كانت هي المؤثره في شعره، وفي عهد الخليفة المعتصم بالله،وقبل فتحه عمورية اشار عليه الشاعر ابوتمام بعدم الاستماع الى اقوال من اشاروا عليه بتاجيل الحرب، بسبب عدم توافق الوقت لفصل حصاد احدى النباتات ،فقال ابوتمام: السيف اصدق انباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب، وهذا جانب جديد مابين علاقة الشعراء بالخلفاء، وبه ينتهي الجزء الثاني.

التعليقات ( 0 )